المامقاني
268
غاية الآمال ( ط . ق )
في المسئلة عن ابن إدريس ( رحمه الله ) في باب البيع وعن العلامة ( قدس سره ) في ( المختلف ) وسنذكر عبارته في التنبيه السابع في ذيل قول ( المصنف ) ( رحمه الله ) ثم إنهم اختلفوا في تعيين القيمة ( انتهى ) قوله ويدل عليه النبوي ( المشهور ) على اليد ما أخذت حتى تؤدى الكلام في هذا الحديث يقع تارة بالنّظر إلى سنده وأخرى بالنظر إلى دلالته امّا الأوّل فقد أشار ( المصنف ) ( رحمه الله ) إلى ما يجبره بل عن شرح ( القواعد ) انه مجمع على مضمونه فشهرته تغني عن النظر إلى سنده وامّا الثاني فجمل القول فيه انه لو أريد به ما يقتضيه مواقع ألفاظه على قانون الوضع كان معناه ان ما هو مقبوض باليد ومأخوذ بها فهو فوقها ما دامت قابضة له فإذا أدته إلى غيره خرج عن كونها فوقها وهذا معنى بديهي لا يليق بالنّبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بيان مثله فلا بد من صرفه إلى غيره وبعد ملاحظة ان مقتضى شأنه انّما هو بيان الأحكام لا بد من صرفه إلى خصوص ما كان من غير البديهيات حكما شرعيّا وضعيا كان أم تكليفيا وذلك يتم ببيان أمرين أحدهما ان اليد هنا عبارة عن صاحبها باعتبار الاستيلاء أو القهر والغلبة والأوّل أعمّ من الثاني وإرادته من اللفظ أظهر يعنى على المستولي على شيء ضمانه وهذا نظير التعبير عن الرؤية بالعين وعن الترجمان باللسان وعن المستمع خصوصا عند المبالغة في كمال استماعه بالأذن وثانيهما انه لما كان الوصول المذكور فيه عبارة عن الذات وليست صالحة لتعلَّق الحكم الشّرعي بها فلا بدّ هناك من تقدير فعل متعلَّق بالذات حتى يتعلَّق به الحكم الشّرعي كالحفظ والضمان والرّد والأداء و ( حينئذ ) فقد يتخيل انه يجب الحكم بالإجمال هنا لدوران الأمر بين الأفعال المذكورة ولا مرجح لبعضها على بعض لكن التحقيق كما وقع الإشارة إليه في كلام بعضهم هو ان الأخيرين غير صالحين للتقدير في هذا المقام لعدم ملائمتهما للغاية المذكورة في ذيل الكلام إذ لا معنى لقولنا على اليد أداء ما أخذت أورد ما أخذت حتى تؤدى فتعين أحد الأولين و ( حينئذ ) نقول إن تحقق مرجح لأحدهما تعين والا لزم الحكم بالإجمال لان مقتضى تقدير الأوّل هو إفادة الحديث للحكم التكليفي ومقتضى تقدير الثاني هو إفادته للحكم الوضعي لكن الإنصاف تحقق المرجح لأنا إذا عرضنا مثل هذا الخطاب على العرف لم يسبق إلى أذهانهم سوى كون عهدة المأخوذ باليد وضمانه عليها ومن المقرر في محله انّه ان تيسر تحصيل مراد المتكلم بما يفهمه أهل العرف من خصوص كلامه كان ذلك هو المقصد الأصلي ولهذا يقدم ما يفهمونه من خصوص الخطاب الشخصي على ما يقتضيه القواعد العامة المقررة في مباحث الألفاظ وهذا واضح مضافا إلى ما ذكره ( المصنف ) ( رحمه الله ) من أن الظرف إذا أسند إلى مال من الأموال كان ظاهرا في الحكم الوضعي كما ( يقال ) عليه دين فان لفظة على ( حينئذ ) لمجرّد الاستقرار في العهدة عينا كان أو دينا وزاد بعض من تأخر في هذا المقام انه لو كان المقدر هو الحفظ لم يتجه التعبير عن الحافظ باليد لان الحفظ لا يكون بها حتى يبتنى على قاعدة التعبير بما به قوام المعنى كما في التعبير عن الرّؤية بالعين بخلاف الضمان باعتبار أنه يقتضي دفع المضمون به وإعطائه وهو انما يتحقق باليد وان أعيان العلماء من العامة والخاصة من قديم الزمان فهموا من الحديث معنى الضمان واستدلوا به عليه وأنت خبير بما فيهما امّا الأوّل فلان التعبير باليد انما هو مبنى على كون قوام الأخذ به وهو كاف في ثبوت نكتة في التعبير بها مع أن قوام معنى الضّمان أيضا بنفسه ليس باليد وإرجاعه إلى الإعطاء والدفع تكلف بين لا تهتدي إليه الأذهان وامّا الثاني فلما ستعرف من صدور خلافه ممّن هو من الأعيان كالشّيخ والعلامة ( قدس سرهما ) هذا واعلم أن الذي يتحصل من كلمات أصحابنا في كيفية دلالة الحديث ومقدار دلالته طرق أحدها انه يدل على الحكم التكليفي وان متعلقة انما هو حال بقاء العين ولا يفيد حكم ما بعد تلفها وهؤلاء لهم مسلكان أحدهما انه لا يتحصّل منه الا وجوب ردّ العين في حال بقائها وهذا هو الَّذي يعطيه كلام الشيخ ( قدس سره ) في ( المبسوط ) حيث قال تحريم الغصب معلوم بالأدلة العقلية وبالكتاب والسّنة والإجماع قال اللَّه ( تعالى ) : « لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ » والغصب ليس عن تراض وقال اللَّه ( تعالى ) : « إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً » ومن غصب مال اليتيم فقد ظلمه وقال ( تعالى ) : « وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ » وما أشبه ذلك وروى أنس عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنه قال لا يحل مال امرء مسلم الا عن طيب نفس منه وروى الأعمش عن أبي وإبل عن عبد اللَّه بن مسعود انّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال حرمة مال المسلم كحرمة دمه وروى عبد اللَّه بن السائب عن أبيه عن جده عن النّبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنه قال لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جادّا ولا لاعبا من أخذ عصا أخيه فليردها وروى يعلى بن مرّة الثقفي ان النّبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال من أخذ أرضا بغير حقها كلف ان يحمل ترابها إلى المحشر وروى عنه ( عليه السلام ) أنه قال من أخذ بشرا من الأرض بغير حقه طوقه يوم القيمة من سبع أرضين وروى عنه ( عليه السلام ) أنه قال ليأتين على الناس زمان لا يبالي الرّجل بما يأخذ مال أخيه بحلال أو حرام وروى عن الحسين عن سمرة انّ النّبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال على اليد ما أخذت حتى تؤدى والإجماع ثابت على أن الغصب حرام فإذا ثبت تحريم الغصب فالأموال على ضربين حيوان وغير حيوان فأمّا غير الحيوان فعلى ضربين ماله مثل وما لا مثل له فماله مثل ما تساوت اجزاؤه ومعناه تساوت قيمة أجزائه فكل هذا له مثل كالحبوب والادهان والتمور والأقطان والخلول التي لا ماء فيها والأثمان ونحو هذا كله له مثل فإذا غصب غاصب من هذا شيئا فإن كان قائما رده وان كان تالفا فعليه مثله لقوله ( تعالى ) : « فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ » ولان مثله يعرف مشاهدة وقيمته تعرف بالاجتهاد وما يعلم يقدم على ما يجتهد فيه ولأنه إذا أخذ المثل أخذ وفق حقه وإذا أخذ القيمة ربما زاد أو نقص فكان المثل أولى فإذا ثبت انه يضمن بالمثل فإن كان المثل موجودا طالبه به واستوفاه وان أعوز المثل طالبه بقيمته انتهى فان ذكره في عدم أدلة حرمة الغصب دليل على أنه فهم منه معنى قولنا على اليد أداء ما أخذت وهو وجوبه والا فلا يستفاد من ضمان المأخوذ حرمة أخذه ويؤيّده انه استدلّ على ثبوت المثل بقوله ( تعالى ) : « فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ » ( انتهى ) ولم يستدل بالحديث المذكور وان كان يمكن المناقشة في هذا التأييد بأن الاستدلال على ثبوت المثل بالآية انما هو في مقابلة ثبوت القيمة كما ينبئ عنه ما استدل به بعد الآية وأوضح من كلامه في الدلالة على أن المراد به وجوب ردّ المأخوذ ما دام موجودا عبارة العلامة ( قدس سره ) في ( التذكرة ) حيث قال وبالجملة كل متلف عينا بالمباشرة فإنه ضامن لها يجب عليه ردّ مثلها ان كانت من ذوات الأمثال وان كانت من ذوات القيم وجب عليه القيمة لقوله ( تعالى ) : « فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا